في أبريل من عام 2026، انطلق أربعة روّاد فضاء على متن مركبة “أوريون” التابعة لناسا في مهمة “أرتميس 2″، مسجّلين بذلك أوّل رحلة مأهولة إلى محيط القمر منذ مهمّة “أبولو 17” في عام 1972. وقد تابع هذا الحدث التاريخي ما يقدّر بنحو 25 مليون شخص عبر بث مباشر على قنوات (NASA+) و (YouTube) و (Prime Video).
وبعد أيام قليلة، حبس الملايين أنفاسهم لمشاهدة مشهد غير مسبوق في تاريخ البشريّة: فيديو عالي الدّقة (4K) لروّاد الفضاء وهم يدورون حول القمر، تم بثّه إلى الأرض مباشرة عبر أشعّة الليزر.
وربما نكون جميعاً قد شاهدنا لحظة الإطلاق المبهرة، لكن ما لم نره خلف الشاشات هو سنوات من العمل الهندسي الدؤوب، وقدرات الحوسبة السحابيّة الهائلة التي رسمت مسار الرحلة بدقّة، فضلاً عن البنية الشبكيّة العالميّة التي شُيّدت في أسابيع معدودة بتعاون استثنائي بين ناسا وأستراليا، لتجعل من بث ذلك الفيديو التاريخي إلى ملايين المشاهدين حقيقة واقعة.
حوسبة المسار إلى القمر
لا يقتصر تصميم مسار مهمّة مأهولة إلى القمر على عمليّة حسابيّة واحدة؛ بل يقوم فريق علوم رحلات “أوريون” في مركز “جونسون” للفضاء التابع لناسا بإجراء عشرات الآلاف من عمليّات المحاكاة لسيناريوهات الرحلة الاعتياديّة والطارئة المعروفة في مركز التحكّم بالسيناريوهات الطبيعيّة وغير الطبيعيّة) .وينتج عن هذه العمليّات ما بين 2 إلى 5 تيرابايت من البيانات لكل نافذة إطلاق محتملة.
وتعتمد هذه المحاكاة على منصّة AWS GovCloud (US)، وهي بيئة سحابيّة آمنة ومعتمدة حكومياً ومخصّصة لمعالجة البيانات لرحلات “أرتميس”. وخلال أوّل 48 ساعة من الإطلاق، تولى النظام حساب تعديلات مسار الرحلة في الوقت الفعلي تقريباً، مستهلكاً آلاف الساعات الحوسبيّة لإعادة توجيه المسار وتحسينه فور تغير الظروف المحيطة.
وقد نجحت شركة Booz Allen Hamilton في بناء هذا النظام بالاعتماد على تقنية “الحوسبة السحابيّة المرنة (Cloud Bursting)” فحينما يحتاج محلّلو ناسا إلى قدرة حوسبيّة إضافيّة، يمكنهم فوراً التوسّع واستدعاء مئات المثيلات الحوسبيّة (Instances) المدعومة بمعالجاتIntel عند الطلب دون أي تأخير. وبخلاف الأنظمة المحليّة (On-premise) التي تمثّل مورداً مشتركاً تتنافس عليه مهام فضائيّة متعدّدة، منحت السحابة فريق مهمّة “أرتميس 2” المرونة الكاملة لتشغيل عمليّات المحاكاة وقتما يشاء، وليس فقط عند توفّر مساحة شاغرة.
ضوء الليزر لشبكة عالميّة تربط القمر بالأرض
تحمل مهمّة “أرتميس 2” تقنيةً متطوّرة عملت ناسا على تطويرها لأكثر من عقدين، وهي نظام الاتصالات البصريّة لمركبة أوريون المعروف اختصاراً بـ .(O2O) يمثّل هذا النظام محطّة طرفيّة تعمل بالليزر، وتتميّز بقدرتها على نقل البيانات من المركبة الفضائيّة بسرعة تصل إلى 260 ميغابت في الثانية، وهي سرعة مذهلة تكفي لبث فيديو بدقّة 4K في الوقت الفعلي ومن مسافات بعيدة.
تقع إحدى المحطّات الأرضيّة الشريكة لنظام (O2O) في مرصد “جبل ستروملو” التابع للجامعة الوطنيّة الأستراليّة بالقرب من كانبرا؛ وتعدّ هذه المحطّة نقطة استقبال بالغة الأهميّة لبيانات الليزر الصادرة عن مركبة “أوريون” الفضائيّة والمرئيّة من نصف الكرة الجنوبي.
ولربط مرصد “جبل ستروملو” بمجمع “وايت ساندز” التابع لناسا في نيو مكسيكو، حيث تجري معالجة الفيديو وتوزيعه، كانت الوكالة بحاجة إلى مسار شبكي عالي الأداء، يمتاز بسرعة التأسيس والكفاءة العالية على نطاق واسع.
بناءً على ذلك، اختارت ناسا أمازون ويب سيرفيسز لإدارة عمليّات الاتصال الأرضيّة؛ حيث قام الفريق بربط المرصد بعقدة شبكة محليّة في أستراليا، ثم توجيه الإشارة عبر شبكة عالميّة إلى “وايت ساندز”، لتقطع البيانات مسافة تقارب 15 ألف كيلومتر في أجزاء من الثانية. وقد أثمر التعاون بين أمازون ويب سيرفيسز وناسا والجامعة الوطنيّة الأستراليّة عن تأسيس هذا الربط المعقّد خلال أسابيع معدودة، وبتكلفة لا تتجاوز ثمن حاسوب محمول، لينطلق هذا الاتصال بعدها ويلف العالم.
تقريب 250 مليون مشاهد من القمر
شكّلت المنصّة الرقميّة الرسميّة لناسا (NASA+) المركز الرئيسي لتغطية كافة تفاصيل وأنشطة مهمّة “أرتميس 2”. وتعتمد المنصّة في بنيتها التحتيّة على حلول AWS Elemental؛ حيث تتولّى خدمة (MediaLive) ترميز الفيديو المباشر، في حين تضمن خدمة (MediaConnect) نقلاً آمناً وموثوقاً لشركاء التوزيع العالمي، ومن أبرزهم YouTube ومنصّة Prime Video التي انضمت كشريك بث رسمي خلال مرحلة التطوير في عام 2025.
ولم يكن بث مهمّة “أرتميس 2” مجرّد تغطية إعلاميّة، بل كان بمثابة ساحة اختبار حقيقيّة لوكالة ناسا تمهيداً لحدث تاريخي أكبر؛ إذ تخطّط الوكالة لجذب ما يقدّر بنحو 250 مليون مشاهد أثناء هبوط مهمّة Artemis IV المرتقب على سطح القمر، والذي سيسجّل أوّل هبوط بشري منذ عام 1972.
ولقد نجحت (NASA+) في تقديم بث حي متواصل لمهمّة “أرتميس 2” غطّى لحظات الإطلاق، والتحليق حول القمر، وحتى العودة والهبوط في المحيط، عبر إنتاج ضخم أدارته أربعة مراكز تابعة لناسا مترابطة بالكامل من خلال السحابة. وبموجب رؤية ناسا للوصول إلى أوسع جمهور ممكن، نقلت منصّة Prime Video هذا البث التاريخي مجّاناً لكافة المستخدمين حول العالم.
هكذا نسجت التكنولوجيا خيوطها: انتقلت لقطات الـ 4K عبر الليزر من مركبة “أوريون” أثناء دورانها حول القمر وصولاً إلى المحطّة الأرضيّة في أستراليا، ومنها عبرت شبكة أمازون ويب سيرفيسز إلى مراكز ناسا لتُعالج وترمَّز فوراً عبر AWS Elemental، وتصل في النهاية إلى شاشات الهواتف والتلفزيونات. إنّها سلسلة متكاملة من البيانات التي قطعت أزيد من ربع مليون ميل، لتربط المشاهد بأبعد نقطة وصل إليها البشر في أعماق الفضاء.
إنجازٌ كبير صَنعته بنية تحتيّة غير مرئيّة
لقد دار أربعة روّاد فضاء حول القمر لأوّل مرّة منذ أكثر من نصف قرن، وفي تلك الساعات، تذكّر العالم أجمع ما نحن قادرون على تحقيقه عندما تتّحد جهودنا معاً. كانت تلك اللحظة ملكاً لوكالة ناسا، وللطاقم الشجاع، ولكل إنسان نظر يوماً إلى السماء بشغف.
ولكن، ما جعل هذا الإنجاز التاريخي ممكناً كان في معظمه غير مرئي للعيان؛ إذ خلف الشاشات تكمن سنوات من العمل الهندسي الدؤوب، واتصال ليزري يمتد لربع مليون ميل في أعماق الفضاء، وشبكة أرضيّة متطوّرة تم تشييدها في أسابيع معدودة وبتكلفة اقتصاديّة لا تتجاوز ثمن حاسوب محمول.