أكثر من 676 مقرًا إقليميًا للشركات العالمية والقطاعات غير النفطية تقود النمو الاقتصادي
كشفت دراسة تحليلية حديثة أن المملكة العربية السعودية نجحت في تعزيز مكانتها ضمن أبرز وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، عبر منظومة اقتصادية متكاملة فتحت مجالات استثمارية واسعة أمام الشركات العالمية ورؤوس الأموال الدولية، لاسيما في قطاعات الصناعة، والتعدين، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والخدمات المالية، والعقار.
وأوضحت الدراسة، التي أعدتها W7Worldwide للاستشارات الاستراتيجية والإعلامية، بعنوان «لماذا يختار المستثمرون السعودية؟ مقومات الجاذبية الاستثمارية وفرص النمو المستقبلي بالمملكة»، أن الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية، وتطوير البيئة التنظيمية، وتسارع التحول الرقمي، أسهمت في تنويع الفرص الاستثمارية، ورفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 1.099 تريليون ريال بنهاية عام 2025، مع تسجيل تدفقات استثمارية جديدة بلغت 133.3 مليار ريال خلال العام ذاته.
مؤشرات قوية
وأظهرت الدراسة أن الاقتصاد السعودي واصل تحقيق مؤشرات أداء قوية تدعم جاذبيته الاستثمارية؛ حيث سجلت الأنشطة غير النفطية نموًا حقيقيًا بلغ 4.9% خلال عام 2025، فيما سجل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 4.5%.
كما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 13% مقارنة بعام 2024، في حين وصل إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية الشاملة (بمختلف أشكالها) في المملكة إلى 3.323 تريليونات ريال، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي، وارتفاع موثوقية المستثمرين الدوليين في السوق السعودية.
بيئة الاستثمار
وعلى صعيد بيئة ممارسة الأعمال، أكدت الدراسة أن تطوير البيئة التنظيمية ورقمنة الخدمات الحكومية أسهما في زيادة كفاءة التشغيل؛ حيث قفز عدد التراخيص الاستثمارية الصادرة خلال عام 2025 إلى 24.24 ألف ترخيص، مقارنة بـ 14.32 ألف ترخيص في عام 2024، مسجلاً نسبة نمو بلغت 68.5%، إلى جانب دور تسريع إجراءات تأسيس الشركات في تقليص الوقت والتكلفة وتحسين رحلة المستثمر الأجنبي.
مقرات إقليمية
كما ارتفع عدد الشركات العالمية الحاصلة على تراخيص لإنشاء مقارها الإقليمية في العاصمة الرياض إلى أكثر من 676 شركة بنهاية عام 2025، في مؤشر يعكس تنامي جاذبية المملكة كمركز إقليمي رائد للأعمال. وأضافت الدراسة أن هذه المقرات تدعم نقل مراكز اتخاذ القرار الدولي، وتوطين أنشطة البحث والتطوير، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، فضلاً عن خلق وظائف نوعية، ونقل المعرفة، وزيادة الطلب على الخدمات المهنية والتقنية.
قطاعات واعدة
وحددت الدراسة القطاعات الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال خلال عام 2025، وفي مقدمتها قطاع الصناعة، الذي استقطب 18.4 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر، مستحوذًا على 31% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية غير النفطية.
وفي قطاع التعدين، أشارت الدراسة إلى أن قيمة الثروات المعدنية في المملكة تتجاوز 9.4 تريليونات ريال، بالتزامن مع تسجيل استثمارات تعدينية جديدة بلغت 44 مليار ريال خلال عام 2025. أما قطاع التقنية والذكاء الاصطناعي، فقد شهد طفرة استثمارية كبرى، حيث تجاوزت قيمة المشروعات والاتفاقيات التقنية المعلنة خلال مؤتمر ليب (LEAP 2025) حاجز 14.9 مليار دولار.
وفيما يخص قطاع السياحة، فقد استقبلت المملكة 123 مليون سائح خلال عام 2025، بإجمالي إنفاق بلغ 304 مليارات ريال، فيما تجاوزت الاستثمارات الخاصة في قطاع النقل والخدمات اللوجستية 280 مليار ريال، مع تشغيل 24 مركزًا لوجستيًا في مختلف مناطق المملكة، بما يرسخ مكانتها كحلقة وصل قارية في سلاسل الإمداد العالمية.
إقامة استثمارية
وتطرقت الدراسة إلى برنامج الإقامة المميزة، مؤكدة أنه أصبح أحد الممكنات الاقتصادية الرئيسة لاستقطاب المستثمرين، ورواد الأعمال، والمواهب المتخصصة، وملاك العقارات، من خلال توفير مسارات متنوعة تمنح بيئة قانونية ومالية مستقرة تدعم تأسيس الأعمال والتوسع الاستثماري طويل الأجل.
وأوضحت أن البرنامج يساهم في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحفيز الاستثمار العقاري، ودعم منظومة ريادة الأعمال ونقل المعرفة، إلى جانب دعم سوق العمل، وتوسيع الطلب على الخدمات المهنية والمالية والقانونية، وتعزيز نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالاستثمارات الجديدة.
رؤية مستقبلية
وذكرت W7Worldwide في رؤيتها التحليلية أن جاذبية الاستثمار في المملكة لم تعد تستند إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متكاملة تجمع بين قوة الاقتصاد، وكفاءة البيئة التنظيمية، وتنوع الفرص الاستثمارية، واستقرار السياسات الاقتصادية، مما عزز قدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات النوعية ورسخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الإقليمية والدولية لرؤوس الأموال والشركات الباحثة عن النمو المستدام.
وأوضحت أن المملكة تجاوزت مرحلة تحسين الإجراءات إلى بناء منظومة استثمارية متكاملة ترتكز على الإصلاحات الهيكلية، والتحول الرقمي، وتكامل السياسات الحكومية، بما يعزز تنافسية الاقتصاد على المدى الطويل. كما أكدت أن القيمة الحقيقية للاستثمار الأجنبي لا تُقاس بحجم التدفقات الرأسمالية فقط، بل بما يحققه من أثر اقتصادي مستدام يتمثل في نقل المعرفة، وتوطين التقنيات، وتنمية الكفاءات الوطنية، وتعزيز المحتوى المحلي.
وأضافت أن برامج المقرات الإقليمية والإقامة المميزة، إلى جانب تطوير القطاعات الاقتصادية الواعدة، تمثل ركائز استراتيجية لاستقطاب استثمارات نوعية ذات قيمة مضافة، تدعم التنويع الاقتصادي، وتعزز مكانة المملكة مركزًا إقليميًا وعالميًا للأعمال والاستثمار، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030.